أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
74
العقد الفريد
في ليلة التّمّ لا يدري مضاجعها * أوجهها عنده أبهى أم القمر لم يحجب الصّوت أجراس ولا غلق * فدمعها لطروق الصّوت منحدر لو خلّيت لمشت نحوي على قدم * يكاد من لينه للمشي ينفطر فسمعت الذلفاء صوت سنان ، فخرجت إلى وسط الفسطاط تستمع ؛ فجعلت لا تسمع شيئا من [ حسن ] خلق ولطافة قد ، إلا الذي وافق المعنى ؛ ومن نعت الليل واستماع الصوت ؛ إلا رأت ذلك كله في نفسها ومهبها ، فحرك ذلك ساكنا في قلبها ، فهملت « 1 » عيناها ، وعلا نشيجها « 2 » ، فانتبه سليمان فلم يجدها معه ، فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على تلك الحال ، فقال لها : ما هذا يا ذلفاء ؟ فقالت : ألا ربّ صوت رائع من مشوّه * قبيح المحيّا واضع الأب والجدّ يروعك منه صوته ولعلّه * إلى أمة يعزى معا وإلى عبد فقال سليمان : دعيني من هذا فو اللّه لقد خامر قلبك منه خامر ! يا غلام ، عليّ بسنان . فدعت الذلفاء خادما لها فقالت : إن سبقت رسول أمير المؤمنين إلى سنان ، فحذّره ولك عشرة آلاف درهم وأنت حر لوجه اللّه تعالى ! فخرج الرسول فسبق رسول سليمان ؛ فلما أتي به قال : يا سنان ، ألم أنهك عن مثل هذا ؟ قال : يا أمير المؤمنين حملني الثمل وأنا عبد أمير المؤمنين وغذيّ نعمته ؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن لا يضيع حظّه من عبده فليفعل . قال : أما حظي منك فلن أضيعه ، ولكن ويلك ! أما علمت أن الرجل إذا تغنى أصغت المرأة إليه ، وأن الحصان إذا صهل ودقت له الفرس ، وأن الفحل إذا هدر صغت له الناقة ، وأن التيس إذا نبّ « 3 » استحرمت له الشاة ؟ وإياك والعود إلى ما كان منك يطول غمّك . أبو السمراء وامرأة بالمدينة قال إسحاق : حدثني أبو السمراء قال : حججت فبدأت بالمدينة ، فإني لمنصرف من
--> ( 1 ) هملت عيناها : فاضت وسالت . ( 2 ) النشيج : تردد البكاء في الصدر من غير انتحاب . ( 3 ) نبّ التيس : صاح .